منتديات روح زنجبار
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخولتسجيل دخول الاعضاء

 

 رواية صانعة التنانير وحفار القبور

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عربي اصيل
الإدارة
الإدارة
عربي اصيل


عدد المساهمات : 399
تاريخ التسجيل : 07/01/2010
العمر : 34
الموقع : بلاد العرب

رواية صانعة التنانير وحفار القبور    Empty
مُساهمةموضوع: رواية صانعة التنانير وحفار القبور    رواية صانعة التنانير وحفار القبور    Icon_minitimeالإثنين نوفمبر 28, 2011 4:40 am

ت صانعة التنانير وحفار القبور

أصل أهل أم عارف من "أورفا" أو المدينة الجميلة وهي من العواصم الثقافية للحضارة الآرامية: أديسا وإنطاكية ونصيبن/ حران.‏
وكلها لعبت دوراً بارزاً في بناء الثقافة الإسلامية عن طريق الترجمة وحركة العلوم.‏
فليس غريباً على جده الشيخ داود أن يكون صوفياً ومتنوراً يمارس الطب النفسي ويعزف على القانون ويريد الآخرة أكثر مما يريد الدنيا.‏
وزليخا
جدته ظلت مستقيمة الظهر كالرمح إلى أن توفيت بالقلب في عمر يتجاوز
التسعين. تبنى التنانير وتعتاش من ذلك وهي طاهية ممتازة لا تستنكف عن العمل
لتعين زوجها إذا احتاج الأمر. ابنها بكري توفي مجنداً في الجيش التركي من
الحرب العالمية الأولى.‏
أما
ابنها الآخر بدر وابنتها قادرية كل ما تبقى لها من الحياة قليلة الكلام
كثيرة الصمت إلا أنها فطنة، دقيقة الملاحظة، فضيلتها الكبرى الاعتماد على
النفس، تبذل مالها ووقتها وتتفانى في خدمة أولادها وأحفادها وإن كانت تتحيز
إلى البيض أكثر من السمر. تفضل أخاه الأكبر وأخته عليه، وتختصهما
بالخرجية والطعام واللباس والكتب.‏
تحبه
ولا شك لكنها تفضلهما عليه. إنها من النوع الصامت، وإن تفوهت لا تتفوه
إلا بالأمثال معياراً على واقع لا ترضاه، ومثالاً أو مثلاً أفضل تطمح
إليه.‏
تكسب
عيشها بيدها غالباً من صناعة التنانير وفي ذلك الوقت في الحارات القديمة
إلى جانب خبز التنور أدخلت الأفران نوعين مختلفين من الخبز، ثم هنالك خبز
الصاج.‏
الفرن
مؤسسة عامة والأفران تتوزع حسب الأحياء وخبز الفرن غير خبز التنور، وهذان
غير خبز الصاج شكل الفرن ووقوده وطريقة تحضير العجين وتقريصه أقراصاً
مدورة هو الذي يحدد صناعته وشكله وطعمه.‏
أما
التنور والصاج فهنالك تنور مشترك لكل العائلات الكبيرة، أو خاص لكل بيت
إذا كان قادراً. والخبز يصنع في البيت شأنه شأن الطعام وشأن المحفوظات من
الحواضر والخضار والمربيات حلوة وحامضة، دبس الرمان، عصير الحصرم، إذ كان
الليمون نادراً في غير أرض الساحل.‏
وكثيراً
ما كان يراقب جدته وهي تصنع تنوراً لأسرة قادرة من طينة خاصة تهيئها
بنفسها وتمزجها بالشعور وتدور التنور بهندسة فطرية بشكله المخروطي وله غرفة
خاصة وراء باب الزقاق، وتشوي طينة التنور في الشمس بعد صناعته حتى يتحمل
الحرارة عند الخبز، وهو يتسع لقامة رجل، وكثيراً ما كان عارف ورفاقه
يختبئون فيه عندما كانوا يلعبون بالغماية أو أبطال وحرامية، أو يجعلون بناء
التنور المشترك في طرف الحي ملتقى أو منتدى أو مسرحاً بعيداً عن رقابة
الكبار.‏
قالت
جدته وهي تلصق الطين على الهيكل المخروطي الذي سيصير تنوراً هل أعجبك ما
أصنع؟ قل: نعم قالت: ليش وجهك أسود "تعني أسمر" لأنها تفضل البيض والشقر
أخته وأخاه الكبير. قال ما هو بأسود. قالت: اذهب وادهن وجهك باللبنة عله
يصير أبيضَ!! فلم ينبس بكلمة. امتعض لكنه لم يعبر عن هذا الامتصاض بغير
الصمت.‏
يتحلقون
حول طبق الطعام القشي المدور ذي الرسوم والنقوش والمزين بصحون الزيتون
والمكدوس والزعتر والزيت والحمص والفول غالباً، والبيض المقلي في مناسبات.‏
تقول
جدته "زليخا" لا أخاف على قيمتي من الفقر بل أخاف عليها من قلة التدبير.
والكلام موجه إليهم جميعاً لا سيما الأم لتحسن إدارة البيت.‏
وتصرخ متجهمة:‏
"نونه، نونه". عارف يحب البيض المقلي لندرته على المائدة إذ كان البيض غالياً لقلته وكان يأتي من الريف.‏
لا
يدري لماذا عيناها مفتحتان عليه: على مهلك.. لا تغرف الطعام.. وأحيانا إن
بالغ بلقم البيض المقلي، لا تنبه ولا تنذر بل تهوي عليه بكف مثل الجمر
على وجهه دون إنذار. أما البيض والشقر فيدفع البيض المقلي إلى حيزهما من
الطبق.‏
ولأنها
تعمل طاهية كانت تجلب معها في المساء طعاماً طيباً في صرة متواضعة نتحوم
عليه كالذئاب على فريسة لكنه لا يكفي، وكانت تصر فلوسها المعدنية بمنديل
كثيراً ما تفرده وتنتقي منه ما تيسر وتعطيه لأخيه وأخته أما هو فلا.‏
وكانت تقول: زمن جدك كان زمن البركة، المؤونة في البيت لا تنفد ولا تنتهي أما هذه الأيام فهي أيام السمانة والشراء بالمفرق.‏
التدبير
هو الحيلة التي تحتال بها على الدهر لكن فقر الميزانية في أي نظام
اقتصادي وتدبيرها لا يستقيم بغير ضحايا، ومحسوبيات، وامتيازات اللون
والحسب والنسب وما إلى ذلك.‏
لم
تكن لعارف ميزة البشرة البيضاء أو الشقراء فكان في البيت مواطناً من
الدرجة الثانية لذا فيرث من أخيه ثيابه العتيقة التي تعاد خياطتها لتناسب
قامته كما يرث ما تبقى من الكتب من أخته للاستمرار في المدرسة. وغالباً ما
كان يعتمد على الذاكرة والسماع بكل جوارحه لدروس الأساتذة فنمت عنده قوى
الذاكرة ومن خلال ذلك ظفر في حرب البقاء بحثاً عن الذات والهوية من خلال
الثقافة والعلم.‏
إلا
أنه أحب جدته وكان يلحق بها أحياناً حيث تعمل في المدينة الحديثة من شارع
بغداد فتسقط لـه بعض الطعام في أكياس من الورق من الشرفة فيقتسمه مع
رفيقه بسعادة بالغة.‏
وحين
وصل إلى البكالوريا، كانت المدارس الرسمية بالأجور ولم يتجمع لـه ذلك
الصيف فلوس كافية فأقرضته جدته مبلغ القسط، على ما يذكر "خمسون أو سبعون
ليرة سورية" لكنه تخرج قبل أن يفيها الدين، وتوفاها الله إلى رحمته فرثاها
بقصيدة جميلة. وله من العمر ثمانية أو تسعة عشر عاماً؟‏
لا يذكر منها غير بيت واحد هو:‏
هذه الأرض أمنا هل رأيت الأرض ضمت لصدرها الأولاد؟!‏
عائلة
جدته بيت عرفة على ما يبدو، كانوا مؤهلين للحياة وللموت، بمواصلة
الصلاة.. والتقى إلى حد التصوف. كانت سمعتهم البارزة ولأنهن كن سبع بنات
على صبيين، كان لكل منهن مهنة تتقنها وتلتجئ إليها في الساعات السود.
الفقر من جراء الركود الاقتصادي أو الاحتلال أو الحرب وتغير العهود، فصراع
البقاء في مثل هذه الظروف على أشده ولا يبقى في معركة الوجود إلا من كان
قوياً وحكيماً وعاملا لا فرق بين ذكر وأنثى.‏
سارة
وزلخو وصديقة ومريم ورحمة ولطيفة وأسماء وأحمد ومحمد. صديقة داية أي
قابلة وطبيبة بالتمرس ولطيفة ممرضة في الجيش كذلك نفيه إلا أنها كزلخو
ماهرة في الطبخ وهكذا، مكنة الخياطة النول اليدوي، وغزل الصوف معالم مضيئة
في عتمة الذاكرة.‏
وباختصار
أهل أمه زهاد ودراويش وشغيلة تفاوتت حظوظهم شقاء وراحة بالنسبة لزيجاتهم
من مياسير أو معاسير وكان أهل أبيه ملاكاً وبكوات أصحاب عقارات ودور
يشتغلون بالإدارة أو التجارة والقيادة.‏
نقيضان في الوضع الاجتماعي والثروة والثقافة.‏
وأهل
أمه يتهيئون للحياة كما يتهيئون للموت إلا أنهم جميعاً يملكون بيوتهم،
وشراء بيت هو العمود الفقري في مغالبتهم لمصاعب الدهر الأمر الذي ورثته أمه
وكافحت من أجله كفاح الأبطال. كما ورثه عارف ويحاول أن يورثه لأولاده.
بيوت الأجرة خربان بيت لابد إذن من التوفير لشراء بيت، أما المعاش فخاضع
لفن التدبير كما تقول زلخو جدته للانتصار على الركود والحرب والمجاعة
والثورات والانقلابات التي لا تأخذ إذناً بمداهمة البشر.‏
ثلاث بقجات مقصبة ملونة تتوهج في مخيلته لهؤلاء السيدات الفاضلات:‏
بقجة
الحمام.. المناشف والأمشاط والحناء والصابون الحلبي المطيب، والزينة. أما
بقجة العرس فهي جزء من الجهاز الذي يضم فرش البيت واللحف والبسط والسجاد
وأدوات المطبخ والطقم الصيني وبعض الحلي.. والبقجة بقجة العرس كبقجة
الحمام أضف إليها مناديل الدخلة التي تنشر بعد العرس مضرجة بدم البكارة.
ثم بقجة الموت، إنها تهيؤ طقوسي للانتقال من هذا العالم للعالم الآخر.‏
بقجة
الموت تنطوي على ما يحتاجه الميت في حالة الغسل الكفن والمناشف والصابون
وكلفة حفر الدفن والقبر وكلفة الصدقة وإطعام الفقراء. ما تقوم به شركات
التأمين في العالم المتمدن كان جزءاً من خطط الفرد للحياة والموت.‏
زلخو
جدته لم تهيئ بقجة الموت فحسب، بل أوصت بخيتان حفار القبور لكي يهيئ لها
القبر ونقدته كلفة ذلك. فتدخلت هنا سيدة الفانتازيا وقالت: من هو بخيتان
هذا وما هي حكايته؟ فتستأنف المجذوبة الكلام وتقول: كان لدى جدته كأمه قصور
في القلب في زمن الشيخوخة، إلا أنها ظلت تعمل حتى ماتت، وحين آنست دنو
الأجل.. وأحست بخطا ملك الموت في الجيرة طلبت من عارف أن يصحبها إلى
"بخيتان" حفار القبور، فصحبها إليه طرقا الباب وكان بيته في قلب المقبرة.
فجاء إليهم وقالت لـه زلخو: أريد أن أتفقد القبر يا بخيتان فأجابها: أنا
بأمرك يا أم بكري وذهبوا معاً الثلاثة إلى حيث قبور بيت جده من المقبرة
الكبيرة.‏
وكان
بخيتان قد هيأ لها، فرفع التراب عن القبر ورفع البلاطات وقال لها هذا هو
قبرك يا أم بكري، فنظرت إليه متأملة وقالت أريد أن أقيسه. فقال حسناً كما
تريدين، إن تطمئني إليه أسلم فاتكأت على عارف وعلى بخيتان، ونزلت إلى
القبر الذي كان يضم من قبلها رمة جده الشيخ داوود.. وتسبطت بطول القبر
راكية رأسها على قرميدة وهي تقول: "خي يا شيخ داوود هنا سوف ترتاح جثتي
بجوارك" ونهضت متكئة على بخيتان وعليه، لتخرج من القبر، وهي تقول:‏
ليس الموت رعباً ونهاية. إنه عتبة ولقاء في عالم آخر. حين تصفو النفس أو تخلو من الإثم.‏
إنه موعد تتهيأ لـه كما تتهيأ للحمام والعرس لـه بقجته الخاصة وطقسه. إنه خطوة إلى المخدع الآخر. إنه بداية لا نهاية.‏
هكذا كانت تؤمن جدته زلخو.. هكذا كانت تؤمن أمه.. وهكذا تمنى أن يؤمن!! في عالم يفقد الإيمان.‏
فتعقب سيدة الفانتازيا على ذلك بقولها:‏
خيل
لعارف أن القبر الذي تمددت فيه زلخو جدته استحال إلى نهر. وأن الموت رحلة
إلى الطرف الآخر، وأن الماوراء جزء من هذه الحياة، وليست الحياة جزءاً من
الماوراء، ولعله أخذ فهمه يتعمق للرؤيا التي التقطها كالبذرة، وأن الغربة
ضرورية للمحبة التي لولاها لكان البشر غاب كواسر ينهش بعضهم بعضاً.‏
ولم
يعلق عارف على ذلك كله بشيء إلا أنه تذكر أن جدته كررت القصة مع أخيه
الأكبر فاستصحبته إلى بخيتان وذهبوا جميعاً إلى المقبرة، وقاست القبر على
قامتها كما فعلت معه، كانت تشعر بأمان نفسي عميق.‏
إن توقع الموت وانتظاره ربما يذهب برهبته كلها ويجعل الإنسان أكثر تقبلاً لحقائق الحياة.‏
نهض
عارف وأخذ يطفئ بعض الشموع التي كانت ترتجف خيالاتها على جدران المكتب
شبه المعتم. كأنما يعلن انتهاء الجلسة وختام الطقس الذي ابتكرته سيدة
الفانتازيا إلا أنها سارعت وأخذت يديه بكلتا يديها، وقادته إلى الأريكة
وساعدته في التمدد عليها، فارتاح رأسه على مخدة كانت هناك وتمدد جسمه.‏
والتفتت
سيدة الفانتازيا إلى مجمرة البخور، وألقت فيها قطعاً من البخور المنعش
لمخيلة عارف وذاكرته بروائحه الزكية الطيبة، وعادت إلى الشموع التي أطفأها
وأعادت إيقادها من جديد فأخذت ألسنتها الصغيرة من اللهب تتكلم لغة أخرى
وراء اللغة المنطوقة.


تحياتي

عربي اصيل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://articledentistry.blogspot.com
 
رواية صانعة التنانير وحفار القبور
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» رواية شيئ في صدري 1
» رواية شيئ في صدري 2
» قراءة في رواية أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات روح زنجبار :: مـنتدى الثقـافة :: قسم الأدب العام-
انتقل الى: